محمد غازي عرابي
1026
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
وقوله : فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 36 ) يعني البيت العام ، فليس في الوجود الحق إلا هذا البيت الذي ظاهره البيت العتيق في حرم مكة الصدر ، وبجانبه مقام إبراهيم الموحد والذي هو أمة في رجل ، والإنسان الجزئي كثير ، لكن الإنسان الكلي نوع واحد فرد ، جمع في كيانه الناس أجمعين ، ولهذا قلنا إنه ممثل النوع ، والإنسان النوعي هو بيت من المسلمين أي أن قلبه ، والقلب بيت ، مسلم ، وكذلك حواسه ظاهرة وباطنة ، أنشد عبد الكريم الجيلي : لي الملك في الدارين لم أر فيهما * سواي فأرجو فضله أو فأخشاه ولا قبل من قبلي فالحق شأنه * ولا بعد بعدي فأسبق معناه وقد حزت أنواع الكمال وإنني * جمال جلال الكل ما أنا إلا هو فمهما ترى من معدن ونباته * وحيوانه مع أنسه وسجاياه ومهما ترى من صورة معنوية * ومن مشهد للعين طاب محياه ومهما ترى من فكرة وتخيل * وعقل ونفس أو فقلب واحشاه ومهما ترى من هيئة ملكية * ومن منظر إبليس قد كان معناه ومهما ترى من شهوة بشرية * لطبع وإيثار لحق تعاطاه ومهما ترى من سيد متسود * ومن عاشق صب صبا نحو ليلاه فإني ذاك الكل والكل مشهدي * أنا المتجلي في حقيقته لا هو وإني رب للأنام وسيد * جميع الورى اسم وذاتي مسماه وما أنا فيما قد ذكرت جميعه * عن الذات عبد آيب نحو مولاه فقير حقير خاضع متذلل * أسير ذنوب قيدته خطاياه [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 38 إلى 46 ] وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 38 ) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 39 ) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ ( 40 ) وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ( 41 ) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ( 42 ) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ ( 43 ) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ( 44 ) فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ ( 45 ) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 46 ) [ الذاريات : 38 ، 46 ] موسى إشارة إلى صوت الهدى الذي وجه إلى فرعون النفس ، فأبى أن يسمعه ، وتولى مستكبرا وأبى فإما أن يسمع الإنسان صوت ضميره ، أو يرغب عنه وينصرف إلى الدنيا وهذا الإنسان وأمثاله كثير ، هو ما أشير إليه بعاد وثمود وقوم لوط ، فما ضرب اللّه من مثل في هذا القرآن إلا كان له عبرة في عالم الإنسان ، فالإنسان فرعون وعاد وثمود إن لم يؤمن ، والإنسان